محمد بن جرير الطبري
146
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هو قوله : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : حدثني أبو العالية في قول الله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يقول : حين لم يكونوا شيء ، ثم أحياهم حين خلقهم ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، ثم رجعوا إليه بعد الحياة . وحدثت عن المنجاب قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال : كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم فهذه إحياءة ، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه إحياءة ؛ فهما ميتتان وحياتان ، فهو قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وقال آخرون بما حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي صالح : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قال : يحييكم في القبر ، ثم يميتكم . وقال آخرون بما : حدثنا به بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً الآية . قال : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، فأحياهم الله وخلقهم ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ؛ فهما حياتان وموتتان . وقال بعضهم بما : حدثني به يونس ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله تعالى : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال : خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق . وقرأ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ حتى بلغ : أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ قال : فكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق . قال : وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصيري ، فخلق منه حواء ، ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وذلك قول الله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً قال : وبث فيهما بعد ذلك في الأَرحام خلقا كثيرا ، وقرأ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قال : خلقا بعد ذلك . قال : فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم ثم خلقهم في الأَرحام ، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة ، فذلك قول الله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا وقرأ قول الله : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قال : يومئذ . قال : وقرأ قول الله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا قال أبو جعفر : ولكل قول من هذه الأَقوال التي حكيناها عمن رويناها عنه وجه ومذهب من التأويل . فأما وجه تأويل من تأول قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ أي لم تكونوا شيء ، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأَمر الخامل الذكر : هذا شيء ميت ، وهذا أمر ميت ؛ يراد بوصفه بالموت خمول ذكره ودروس أثره من الناس . وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه : هذا أمر حي ، وذكر حي ؛ يراد بوصفه بذلك أنه نابه متعالم في الناس كما قال أبو نخيلة السعدي : فأحييت لي ذكري وما كنت خاملا * ولكن بعض الذكر أنبه من بعض